الشيخ محمد رشيد رضا

15

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أن يتوسع فيه فيما أغفله أو قصر فيه المفسرون ، ويختصر فيما برزوا فيه من مباحث الألفاظ والإعراب ونكت البلاغة ، وفي الروايات التي لا تدل عليها ولا تتوقف على فهمها الآيات ، ويتوكأ في ذلك على عبارة تفسير الجلالين الذي هو أوجز التفاسير ، فكان يقرأ عبارته فيقرها أو ينتقد منها ما يراه منتقدا ، ثم يتكلم في الآية أو الآيات المنزلة في معنى واحد بما فتح اللّه عليه مما فيه هداية وعبرة . وكنت أكتب في أثناء إلقاء الدرس مذكرات أودعها ما أراه أهم ما قاله وأحفظ ما أكتب لأجل أن أبيضه ، وأمده بكل ما أتذكره في وقت الفراغ ، ولم ألبث أن اقترح علىّ بعض الراغبين في الاطلاع عليه من قراء المنار في البلاد المختلفة ومن الحريصين على حفظه من الاخوان بمصر أن أنشره في المنار . فشرعت في ذلك في أول المحرم سنة 1318 وذلك في المجلد الثالث من المنار ، وكنت أولا أطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه في المطبعة وقبل طبعه . فكان ربما ينقح فيه بزيادة قليلة أو حذف كلمة أو كلمات ، ولا أذكر أنه انتقد شيئا مما لم يره قبل الطبع ، بل كان راضيا بالمكتوب بل معجبا به . على أنه لم يكن كله نقلا عنه ومعزوا إليه ، بل كان تفسيرا للكاتب من إنشائه اقتبس فيه من تلك الدروس العالية جلّ ما استفاده منها ، لذلك كنت أعزو إليه القول المنقول عنه إذا جاء بعد كلام لي في بيان معنى الآية أو الجملة على الترتيب ، فإذا انتهى النقل وشرعت بكلام لي بعده قلت في بدئه ( أقول ) ولم يكن هذا التمييز ملتزما في أول الأمر بل يكثر في الجزء الأول مالا عزو فيه ، ومنه ما هو مشترك بين ما فهمته منه ومن كتب التفسير الأخرى أو من نص الآية على أنني عبرت عنه بأمالى مقتبسة ولما كان رحمه اللّه تعالى يقرأ كل ما أكتبه ، إما قبل طبعه وهو الغالب ، وإما بعده وهو الأقل ، لم أكن أرى حرجا فيما أعزوه اليه مما فهمته منه وان لم أكن كتبته عنه في مذكرات الدرس ، لان إقراره إياه يؤكد صحة الفهم وصدق العزو . وبعد أن توفاه اللّه تعالى صرت أرى من الأمانة أن لا أعزوا اليه إلا ما كتبته عنه أو حفظته حفظا ، وصرت أكثر أن أقول : قال ما معناه ، أو ما مثاله ، أو ما ملخصه ، مثلا ، على أنني أعتقد أنه لو بقي حيا واطلع عليه لاقره كله .